ظاهرة المناعة وفوائد التحصين

740

مقدمة:

حقق التحصين الواقي تفوقاً كبيراً على سائر وسائل مكافحة الأمراض السارية، واحتل مركزاً طليعياً في خطط الرعاية البيطرية. فهو وسيلة أساسية لإعداد الجسم على نحو يحول دون تمكن العوامل الممرضة من غزوه أو السيطرة عليه، وإجراء وقائي وضروري لوقف تسرية الأمراض وحماية صحة الإنسان والحيوان من أخطارها.

و تتضمن البحوث التالية بيان القواعد والأصول الفنية المتعلقة بفوائد التحصين الواقي، وكيفية الإعداد لإجرائه والتعريف باللقاح، وأصول حفظه واستعماله، والتخطيط لعملياته، وضرورة رعاية الحيوانات عند التلقيح وبعده، والآثار المفيدة والمرضية الناشئة عنه وشروط نجاحه.

 

البحث الأول: ظاهرة المناعة وفوائد التحصين

 

أولاً: ظاهرة المناعة:

لا يصاب الجسم بالمرض الساري الذي شفي منه قبل مضي مدة معينة على شفائه، والسبب في ذلك أن الإصابة تترك لديه مناعة (Immunity) ضد نفس نوع العوامل المرضية التي كان مصاباً بها، فإذا ضعفت هذه المناعة أو زالت عاد الجسم مهيئاً للإصابة.

وقد لحظ كذلك أن الإصابة الخفيفة بالعوامل المرضية تحدث نتائج مناعية مفيدة بدون أن تظهر علائم المرض. من ذلك مثلاً أن القائمين على حلابة حيوانات مصابة بالجدري قد تنتقل إليهم عوامله المرضية أثناء الحلابة من خلال الجروح والخدوش الموجودة في الأيدي لتنفذ إلى الدم وتتفاعل مع الجسم مكونه لدينه مناعة ضد الجدري، حيث لا يصاب هؤلاء الحلابون بمرض الجدري طالما بقيت المناعة متوافرة لديهم ضده.

 لفتت ظاهرة المناعة هذه إلى ضرورة الاستفادة منها في الوقاية من الأمراض، فأظهرت البحوث العلمية :

1-  أن الجسم يقاوم العوامل المرضية التي تغزو أنسجته بنشاطات متعددة أهمها تكوين أجسام مضادة Antibodies تتولى إحباط تأثير العوامل المرضية والمساعدة على التخلص منها.

2-  إمكانية استحداث هذه المناعة في الجسم وتكوين الأجسام المضادة لديه بطريقة اصطناعية دون إمراضه، وذلك عن طريق إعطائه كميات نظامية من العوامل المرضية المضعفة أو الميتة أو ذيفاناتها المعدلة وفق الأصول الفنية المعتمدة.

 

أنواع ظاهرات المناعة:  

هناك ظاهرات مناعية متعددة، بعضها فطري (خلقي) والآخر مكتسب:

  • المناعة الفطرية (الخلقية)

 هذه المناعة صفة متوارثة لها أشكال متعددة، أهمها :

        ‌أ-   مناعة النوع:  لا تصاب بعض المخلوقات، مطلقاً ببعض الأمراض مهما كانت ضراوة العوامل المرضية التي تتعرض لها، فالفصيلة الخيلية مثلا لا تصاب بالحمى القلاعية، خلافاً للأبقار والأغنام ، ثم أن هذه الأخيرة لا تصاب بالرعام الذي يصيب الفصيلة الخيلية.

       ‌ب-   مناعة العرق: يلحظ هذا النوع من المناعة عند الإنسان، إذ توجد لدى بعض أجناسه مناعة ضد الأمراض أقوى من وجودها عند الأجناس الأخرى، فالعرق الأسود (الزنوج) أقل مناعة للإصابة بالسل من العرق الأبيض.

                  ثم أن الإناث يمتلكن أحياناً مناعة أشد من مناعة الذكور ضد بعض الأمراض، كانخفاض نسبة إصابتهن بمرض الجدري عن نسبة إصابة الذكور.

       ‌ج-   مناعة الأنسجة : تتفاوت حساسية الأنسجة وتأثرها بالسموم والعوامل المرضية، فقد يتأثر بعضها بنوع معين من هذه العوامل، في حين لا يكون لنفس النوع أي تأثير على النسج الأخرى. فالأنسجة العصبية مثلاً تتأثر بذيفانات الكزاز بينما لا يتأثر بها الغشاء المخاطي للمعدة، حيث يعطل بالأحماض الموجودة فيها …

 

  • المناعة الفعالة بعد العدوى

يبقى الجسم بعد الشفاء من مرض ساري منيعاً ضد العامل المرضي المسبب لنفس المرض، وتختلف مدة المناعة هذه باختلاف العوامل الممرضة المسببة .

فبعض الأمراض الفيروسية تخلف مناعة طويلة تدوم مدى الحياة، في حين أن أمراضاً أخرى لاتترك إلا مناعة محدودة ، كالمناعة ضد الحمى القلاعية التي قد تدوم سنة وأكثر بعد الشفاء.

 

  • المناعة الفعالة المستحدثة

يستحدث هذا النوع من المناعة بإعطاء الجسم الذي يراد تحصينه ضد مرض معين جرعة نظامية من العوامل الممرضة أو ذيفاناتها المعدلة، بحيث تنشط هذه العوامل أو الذيفانات المعدلة المعطاة تكوين للأجسام المضادة في الجسم دون أن تكون قادرة على إحداث المرض.

تسمى المادة التي تعطى لاستحداث المناعة (اللقاح) وتسمى عملية إعطائه إلى الجسم (التحصين) أو (التلقيح).

 

ثانياً : فوائد التحصين الواقي:

التحصين الواقي وسيلة أساسية للحفاظ على حياة الحيوان ووقايته من الأمراض السارية، وهو ضروري لوقف انتشار هذه الأمراض ومكافحتها، من آثاره المفيدة:

1-  إعطاء الحيوانات الملقحة مناعة ضد الأمراض السارية الجماعية التي تلقح ضدها ووقايتها من أخطار الإصابة بها. وفي ذلك ضمان لحفظ صحتها وبقائها واستمرار نشاطها وتنمية إنتاجها.

2-  حماية صحة الإنسان من العدوى بالأمراض المشتركة التي تنتقل إليه من الحيوانات المصابة حيث يحول التلقيح دون انتشار بؤر الأمراض، وتصبح الصحة العامة أقل تعرضاً للعدوى.

3-  التلقيح الواقي أساسي وهام لحماية مشاريع الإنتاج الحيواني وتحقيق نجاحها الاقتصادي ، ويلحظ ذلك بوضوح في مشاريع تربية الدواجن، حيث يؤدي الإخلال بتطبيق برامج التلقيح إلى مفاجآت مرضية وخسائر غير مرغوبة.

4-  التحصين الواقي مساهمة عملية وضرورية في إنجاح خطط التموين لأنه يؤمن سلامة الحيوانات ومنتجاتها، ويجعل المصادر الغذائية والمواد الحيوانية اللازمة للتغذية والاقتصاد سالمة متوفرة للمستهلكين وللمشاريع الاقتصادية (الصناعية والتجارية).

 

ثالثاً: الآثار التطبيقية للتحصين الواقي:

أدت فوائد التحصين الواقي أن توجه إليه عناية كبيرة وأن تكون له آثار تطبيقية عديدة، منها :

1-  زيادة الاهتمام في تحضير لقاحات جديدة وجيدة لمختلف الأمراض السارية، ففي الوقت التي تراجعت فيه أهمية المعالجة لتحتل مركزاً ثانوياً لاحقاً (وعلى الأخص في تربية القطعان الكبيرة) ، خطت إجراءات الوقاية خطوات واسعة لتحتل بجدارة المركز الأول في برامج المكافحة، واتخذ التحصين الواقي المركز الطليعي بين سائر إجراءات الوقاية الأخرى.

2-  اعتبار التلقيح الواقي من قواعد النظام العام order public التي لا يجوز الاتفاق على خلافها وإلزام الجميع بإجرائه وفرض عقوبات مناسبة بين المتخلفين.

ويلحظ إن إلزامية التحصين الواقي قد دخلت كقاعدة آمرة في معظم التشريعات الصحية البيطرية المعاصرة محلياً وعالمياً، لأن التحصين يحقق هدفاً إنسانياً مطلوباً في كفالة ضروريات الناس الصحية والغذائية والاقتصادية.

3-  تركزت خطط الصحة الحيوانية على تنفيذ برامج التلقيح لأنها من المصلحة العامة التي تعم فائدتها سائر المشاريع ويستفيد من تطبيقها معظم الناس.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.